وهبة الزحيلي

69

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

فكان موقفها منه كما قال تعالى : قالَتْ : إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا أي قالت السيدة مريم لعذراء البتول : إني أستعيذ ( أو أستجير ) بالرحمن منك أن تنالني بسوء إن كنت تخاف اللّه ، فأخرج من وراء الحجاب . وهذا هو المشروع في الدفع أن يكون بالأسهل فالأسهل ، فخوفته أولا باللّه عز وجل ، والاستعاذة والتخويف لا يؤثران إلا في التقي ، وهو كقوله تعالى : وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [ البقرة 2 / 278 ] أي إن الإيمان يقتضي ذلك ويوجبه ، لا أن اللّه تعالى يخشى في حال دون حال ، وهذا دليل عفتها وورعها . فأجابها جبريل عليه السلام : قالَ : إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا أي قال الملك جبريل مهدئا روعها ومزيلا خوفها : لست أريد بك سوءا ، ولكن أنا رسول إليك من ربك الذي استعذت به ، ولست ممن يتوقع منه السوء أو مما تظنين ، بعثني اللّه إليك لأهب لك غلاما طاهرا من الذنوب ، ينمو على النزاهة والعفة . وقد نسب الهبة لنفسه لجريانها على يده بأمر اللّه تعالى . فتعجبت مريم مما سمعت ، وقالت : قالَتْ : أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ ، وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ، وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا أي قالت لجبريل : كيف يكون لي غلام ؟ وعلى أي صفة يوجد هذا الغلام مني ، ولست بذات زوج ، أو لم يقربني زوج ، ولا يتصور مني الفجور ، فلم أك يوما ما بغيا ، أي زانية ، تبغي الرجال بالأجر . وجوابها هذا لم يكن عن استبعاد لقدرة اللّه ، وإنما عرفت بالعادة أن الولادة لا تكون إلا من رجل ، والعادات عند أهل المعرفة معتبرة في الأمور ، وإن حدث خلاف هذا في القدرة الإلهية ، فإنها عرفت أنه